الشنقيطي
103
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وفي تفسير آيات الأحكام للشافعي رحمه اللّه مبحث هام نسوقه أيضا بنصه لأهميته : قال اللّه عز وجل : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ الآية . قال : يقال : واللّه أعلم إن بعض المسلمين تأثر من صلة المشركين أحسب ذلك لما نزل فرض جهادهم وقطع الولاية بينهم وبينهم ونزل لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ المجادلة : 22 ] الآية ، فلما خافوا أن تكون المودة الصلة بالمال أنزل لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 8 ) ، إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 9 ) ، وقال الشافعي رحمه اللّه : وكانت الصلة بالمال والبر والإقساط ولين الكلام والمراسلة بحكم اللّه غير ما نهوا عنه من الولاية لمن نهوا عن ولايته مع المظاهرة على المسلمين ، وذلك لأنه أباح بر من لم يظاهر عليهم من المشركين والإقساط إليهم ولم يحرم ذلك إلى من لم يظاهر عليهم بل ذكر الذين ظاهروا عليهم فناهم عن ولايتهم إذ كان الولاية غير البر والإقساط ، وكان النّبي صلى اللّه عليه وسلم فادى بعض أسارى بدر ، وقد كان أبو عزة الجمحي ممّن منّ عليه ، وقد كان معروفا بعداوته والتأليب عليه بنفسه ولسانه ، ومن بعد بدر على ثمامة بن أثال ، وكان معروفا بعداوته ، وأمر بقتله ثم منّ عليه بعد أسره وأسلم ثمامة وحبس الميرة عن أهل مكة فسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يأذن له أن يميرهم فأذن له فمارهم . وقال اللّه عز وجل : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [ الإنسان : 8 ] والأسرى يكونون ممن حاد اللّه ورسوله اه منه . وهذا الذي صوّبه ابن جرير وصححه الشافعي رحمه اللّه الذي تقتضيه روح التشريع الإسلامي ، أما وجهة النظر التي وعدنا بتقديمها فهي أن المسلمين اليوم مشتركة مصالحهم بعضهم ببعض ومرتبطة بمجموع دول العالم من مشركين وأهل كتاب ، ولا يمكن لأمة اليوم أن تعيش منعزلة عن المجموعة الدولية لتداخل المصالح وتشابكها ، ولا سيما في المجال الاقتصادي عصب الحياة اليوم من إنتاج أو تصنيع أو تسويق ، فعلى هذا تكون الآية مساعدة على جواز التعامل مع أولئك المسالمين ومبادلتهم مصلحة بمصلحة على أساس ما قاله ابن جرير وبيّنه الشافعي ، وذكره الشيخ رحمة اللّه عليه في حقيقة موقف المسلمين اليوم من الحضارة الغربية في عدة مناسبات